فوزي آل سيف
381
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
محمد ابن أبي عمير الأزدي توفي سنة 217 هـ «بلغت بغداد في عهد الرشيد درجة عالية من الحضارة والعمران، فبنيت فيها القصور الشاهقة، وزادت موارد ثروتها وكانت تصل إليها التجارة من أقصى البلدان..» وصفوة القول إن أيام الرشيد كانت- كما يقول السيوطي- كلّها أيام خير كأنها في حسنها أعراس..([210]) "وقد فاق هارون الرشيد الخلفاء العباسيين في ولوعه بالغناء والموسيقى و إجزاله العطاء للمغنين والموسيقيين، وقد جعل للمغنين راتب وطبقات.. ولا غرو فقد ازدهرت الموسيقى في العصر العباسي بفضل اهتمام الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة الذين عملوا على رفع شأنها، وكثيرا ما كانت الأميرات وسيدات الطبقة الراقية في بغداد يشتركن في حفلات موسيقية خاصة.. ((( (.. كنت قريباً من يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن السبط ) في المطبق في أضيق البيوت وأظلمها فبينما نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة، فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف وقال:- أين هذا؟ يعني يحيى بن عبد الله بن الحسن. قالوا: في هذا البيت!!، قال: عليّ به، فأدني إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه، فقال: خذوه!!. فضرب مائة عصا! ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله ويقول بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.. ثم حمل فرد إلى موضعه. فقال: كم أجريتم عليه؟ قالوا أربعة أرغفة وثمانية أرطال ماء. قال: اجعلوه على النصف. ثم خرج ومكثنا ليالي ثم سمعنا وقعاً - فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه، فقال: عليّ به، فأخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصا أخرى ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه، قالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء. قال: اجعلوه على النصف. ثم خرج وعاد الثالثة وقد مرض يحيي بن عبد الله وثقل، فلما دخل قال: عليّ به. قالوا: هو عليل مدنف لما به، قال كم أجريتم عليه؟ قالوا: رغيفاً ورطلين ماء قال: فاجعلوه على النصف.. ثم خرج فلم يلبث يحيى بن عبد الله أن مات([211])!!. بين يدينا صورتان عن العصر الذهبي الذي عاشته بغداد في تاريخها، يهتم المؤرخون عادة بتسليط الأضواء على القسم الأول منها تماماً، كما كان الحكام يظهرون- ودائماً- هذا القسم. فهم يصطنعون البهجة، ويضفون معالم الزينة على البلاد، ويقيمون الاحتفالات، والاستعراضات، من عمران القصور، كل ذلك بهدف إشعار الناس بالسعادة، وإن كانوا في دركات الشقاء.. فبينما في الظاهر جموع الموسيقيين والشعراء والمغنين وأمثالهم يغدون ويروحون إلى قصر الخليفة ويعودون حاملين عطاياهم وجوائزهم من بيت مال المسلمين، وما حازه مجاهدوهم فإن في الباطن صفوفاً من العلماء البررة، والثوار الأتقياء، يقبعون في ظلم السجون، و تهترىء أجسادهم بسياط الجور. ومحمد ابن أبي عمير كان واحداً من هؤلاء، فقد عاش في السجن مدة أربع سنين، كان من كبار شيعة أهل البيت بل كان «من أوثق الناس عند الخاصة والعامة وأنسكهم نسكاً وأعبدهم و أورعهم.. وكان واحد زمانه في الأشياء كلها».
--> 210 )تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي ج 2/ 62. 211 )مقاتل الطالبيين 320.